صديق الحسيني القنوجي البخاري

30

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى أي قربة في الآخرة وَحُسْنَ مَآبٍ أي حسن مرجع وهو الجنة . وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ أيوب عطف بيان ، وعدم تصدير قصة سليمان بهذا العنوان لكمال الاتصال بينه وبين داود عليهما السّلام حتى كأن قصتيهما قصة واحدة و أَيُّوبَ هو ابن عيصو بن إسحاق . إِذْ نادى رَبَّهُ بدل اشتمال من عبدنا أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنه حكاية لكلامه الذي نادى به ربه ، ولو لم يحكه لقال : إنه مسه ، وقرىء بكسرها على إضمار القول وفي ذكر قصة أيوب إرشاد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الاقتداء به في الصبر على المكاره . بِنُصْبٍ قرأ الجمهور بضم النون وسكون الصاد فقيل : هو جمع نصب بفتحتين نحو أسد وأسد ، وقيل هو لغة في النصب نحو رشد ورشد وقرىء بضمتين ، وبفتحتين وبفتح وسكون وهذه القراءات باختلاف اللغات . وقال أبو عبيدة : إن النصب بفتحتين التعب والإعياء ، وعلى بقية القراءات الشر والبلاء . وَعَذابٍ أي ألم ، قال قتادة ومقاتل : النصب في الجسد والعذاب في المال ، قال النحاس : وفيه بعد ، كذا قال ، والأولى تفسير النصب بالمعنى اللغوي وهو التعب والإعياء وتفسير العذاب بما يصدق عليه مسمى العذاب ، وهو الألم وكلاهما راجع إلى البدن . وقد أخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس خبرا طويلا في قصة أيوب « أوله أن الشيطان عرج إلى السماء فقال : يا رب سلطني على أيوب ، قال اللّه تعالى : لقد سلطتك على ماله وولده ولم أسلطك على جسده الحديث بطوله » ، وفيه نكارة شديدة فإن اللّه سبحانه لا يمكن الشيطان من نبي من أنبيائه ويسلطه عليه ، هذا التسليط العظيم ، وأسند المس إلى الشيطان مع أن اللّه سبحانه هو الذي مسه بذلك إما لكونه لما عمل بوسوسته عوقب على ذلك بذلك النصب والعذاب ، فقد قيل إنه أعجب بكثرة ماله ، وقيل استغاثه مظلوم فلم يغثه ، وقيل إنه قال ذلك على طريقة الأدب وقيل إنه قال ذلك لأن الشيطان وسوس إلى أتباعه فرفضوه وأخرجوه من ديارهم وقيل المراد به ما كان يوسوسه الشيطان إليه حال مرضه وابتلائه من تحسين الجزع ، وعدم الصبر على المصيبة ، وقيل غير ذلك . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ أي قلنا له اركض كذا قال الكسائي والركض الدفع بالرجل ، يقال : ركض الدابة إذا ضربها بها وقال المبرد الركض التحريك ، قال الأصمعي يقال ركضت الدابة ، ولا يقال ركضت هي لأن الركض إنما هو تحريك راكبها رجليه ، ولا